السيد كمال الحيدري

18

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

ومن الواضح أنّ النتائج المترتّبة على البحث الثاني هي التي تقوم بدور تجميع معطيات الجهد البشري ، فيقع عليها النقض والإبرام . ومن خلال هذا ( البحث الثاني ) تتكامل العلوم والفلسفات ، وتتكوّن منهما الحضارات والمدنيات الإنسانية على مسرح التاريخ . وإلّا لو توّقف الجهد العلمي للإنسان على البحث الأوّل لما استطاعت الأفكار أن تتلاقح فيما بينها لتنتهي إلى نتائج أكمل وأفضل ، لأنّ المفروض أنّ كثيراً من معطيات البحث الأوّل لا يمكن إثباتها للآخرين . على هذا الأساس قد تختلف المدارس بعضها عن بعض في البحث الأوّل وأعني به الطريق الموصل لتكوين رؤية كونية في المسائل الأساسية المطروحة أمام الإنسان ولكن هذا لا يعني أنّ الأسلوب الذي تتبعه هذه المدارس للحوار العلمي فيما بينها يختلف أيضاً ، بل قد تكون متّفقة في الأسلوب الذي تتبعه في البحث الثاني ، وأعني به المنهج المتّبع لإيصال الحقائق إلى الآخرين . فمثلًا نجد أنّ الأسلوب العقلي الذي يعتمد من حيث الهيئة والصورة القياس الأرسطي ، ومن حيث المادّة والمحتوى اليقينيات الأرسطية وهو القياس البرهاني المنتج للنتيجة اليقينية من بين الأقيسة قد تتّفق مجموعة من المدارس الفكرية لاتّباعه فيالبحث الثاني وإن كانت هذه المدارس مختلفة فيما بينها في البحث الأوّل ، لأنّ لكلّ منها طريقتها الخاصّة للوصول إلى الكشف عن حقائق الأشياء . وهذا ما نجده واضحاً في المدرسة المشّائية والإشراقية والحكمة المتعالية ، فإنّها متّفقة جميعاً في اتّباع المنهج العقلي وإن كان بدرجات متفاوتة في البحث الثاني ، وإنّما وقع الاختلاف الكبير فيما بينها في البحث الأوّل . وربما اطردت هذه القاعدة في العرفان النظري وعلم